Thursday , 9 July 2020

متاهة الروح

نص:
وماذا قبلُ
ومَاذا بعدُ
وبَعدِ البَعدْ
الليلُ يترنَّحُ وحيدًا كإبرةٍ في مُحيطْ
النَهارُ لا شَيءَ
سِوى انتظارٍ للعُتمةِ كي يُسامِرُهَا
بحروفهِ المُستَغرقةِ في اللعناتْ
صِندوقهِ الأسْودُ سَقطَ في الغَاباتْ
يحملُ أسراره ولُغةَ الغَيبْ
حدَّثه شَيخٌ ضريرٌ عنهُ
في يَومٍ كادَ عَقلهُ أن يُغادرُ جَسدهُ
بعدَّ أن قرأ عَليهِ سُورةَ الجِنْ
والمُعوذاتِ وسُورةَ يَاسينْ
قالَ: ابحثْ عَن صُندوقكَ الأسوَدْ
احرُقهُ بمَاءِ النارْ
قبلَ أن تبتَلُعكَ شَوارعُ الأسفَلتِ اللاهِبةِ والقارْ
او تأهَّبَ للغَرقِ في فِنجانِ قَهوةٍ مَلعُونةْ
القَادمُ سفنٌ محترقةٌ ودِوارْ
وأنتَ بِلا زادٍ ولا أشْجَارْ
او كُن كَقصَائدكَ غريبًا
لا آذانَ لهَا ولا فَمٍ ولا دَارْ.
l l l
أما آنَ للمتغرِّبِ
المُصطَلي بالحَرفِ أن يترجَّلْ
فمَا عَادَ هُناكَ حَطبٌ
يَكفِي لفرحٍ يأتٍي على سُنَّام جملٍ
لا مِطرقةٌ
لا مِنجلْ
فلا تَتَمعنَ في جُروحكِ مليًّا
فَهي صَحَارى ابتلعَتْهَا أسماءُ الأنْذالْ
فاهبطْ إلى نَفسكَ لا تتعثَّرْ
أتيتَ هُنا كوكبًا لا يَتبَعثرْ
او نجُومًا خَانتْ طَالِعكَ
تَوارتْ خَلفَ السِيقانِ المُتلألئةِ
كَسرابٍ يَتسللً في الرُوحِ ولا يَضجَرْ
عَبثٌ هذا العَالمُ
بِلا مَعنَى
وهمٌ على كَتفِكَ يَسكَرْ
l l l
يَتسكَّعُ الليْلُ كلَ مَساءْ
يبحثُ عن الغَريبِ المُوغلِ في الألمْ
مفتقدا أحْلامه وهو يُطلِقُها في الفَضَاءْ
يتحوَّلُ حبرًا ورُؤى وقَلماً
فَما عَادَ يَحتضنُ المَقَاهِي
لا يُراودُ النُجومَ عن نَفسِها
لا يحلمُ أبعدَ من دَعواتهِ التي لا تُستَجَابْ
استحالَ كَومةٍ من رمادٍ وخَيباتْ
كأنَّ شَيئًا في دَاخلهِ مَاتْ
وما زالَ هناكَ في زَاويةِ النَومِ
ينتظرُ وعودَ الليلِ الكَثيرةْ
بأن القَادمَ يشبهُ أحلامه الطُفولية المُثيرةْ
l l l
جَسدٌ أتعبه الغيمْ
تجرُّهُ روحٌ مفقودةٌ التَعاريجُ والمَتاهاتْ
جَسدٌ كحَقيبةَ سَفرْ
مُثقلةٌ بالوُجوهِ
بأحلامٍ تَناثرتْ في الرِيحْ
من صَهوةِ الخُيولِ المُفرطةِ في الرُؤيَا
في دهَاليزِ هَذي الأرضِ الهَاربةِ من الدُنيَا
إلى أينَ الآنَ إلى أينْ
الطرقاتُ كَلماتٌ مُتقاطعةٌ
وتلك الغَيداءُ واقفةٌ هناكَ
تشعلُ الفضاءَ سِراجًا وإغوَاءاتْ
تعيدُ تَشكيلَ الأحْزانَ شُموعْ
هل للوَقتِ الفائتِ اشرعةُ وقُلوعْ
تعيدُ إليه زُرقةُ البَحرِ المَاضِي
أو القادمُ عَاصفةٌ تَقتلعُ الوَهجَ من البُؤبؤ
ما عَادَ في قلبك مَكانٌ لخَناجرَ أُخرَى
ولا في العَينِ مَجرى لدُموعْ
l l l
وماذَا بعدْ
هل البَعدُ بعدَ القَبلِ
أم القَبلُ بعدَ البَعدْ
المَسافاتُ تتلوى تُصبح أفعَى
الجبالُ/الكهوفُ/المغاراتُ تتحول كوابيسًا
تصبحُ كيسَ هَواء تَتطايرُ
مثلَ منطادٍ وهميٍ
لا شَيء قبلُ
ولا شَيء بعدْ
والعالم ليس سوى قَصيدةٍ دراميةٍ
تَضعُ للرؤَّيا حدْ ..


عبدالحميدالقائد


مصدر المقال مجلة نزوى
جميع حقوق هذا المقال محفوظة لمجلة نزوى

Check Also

ورش إبداعية تحت القصف

وجدي الأهدل * يولد الإنسان موهوباً بالفطرة، ولكن هذه الموهبة في حاجة إلى الصقل كالسيف …

في ثقافة القات في اليمن

عبدالله علي الزلب * إن النهج الأكثر ملاءَمة لفهم ظاهرة إقبال اليمنيين على استهلاك نبات …

المجلات الثقافية اليمنية ودورها المعرفـي

بلال قايد عمر * يقول بسام جوهر ” أن تعرف أمة هو أن تقرأ أدبها.فالنتاج …

جون آشْبيري: «بورتريه شخصي فـي مرآة محدبة»

ترجمة وتقديم زاهر السالمي * مقدمة: القصيدة الأشهر لجون آشْبيري «بورتريه شخصي في مرآة محدبة»، …

قصائد جديدة

صلاح فائق * اغضبُ حين أتذكر. أنا رجلٌ غير نافع، لم أتعلم من الطبيعة درساً …

كأن النهر يجري، والينابيع تنادي

أنس مصطفى * (1) ها أنتِ في رَمادِ المصَابِيحِ تغسلينَ بياضَ الشَّواهدِ في اللَّيلْ، تَزجُرينَ …

هذيان نابليــــون

زاهر الغافري * في المشفى الذي أدخلَني الحوذيون فيه فقدتُ كلماتي وكنتُ كلما أحاول أن …

مجرفة عمياء

دلدار فلمز * – 1 – يغنون للحب، يغنون للحرب وأن كل شيء يقع على …

مساء السبت مسائي

آمال موسى * بيني ومساء السبت غرامٌ لا يعلمه غيري غرامٌ غامض ينتابني في كل …

مقهى الجحيم

جورج ضرغام * جدران مطلية بمخيلة غراب. بيوت عرجاء تخبئ خلخالها في جيب عاصفة متسولة. …

×