Wednesday , 12 August 2020

جنازة الشاعر

أفاق متثاقلا كعادته على رنات هاتفه الخلوي وكان قد نسي  كالعادة أيضا  منذ سهرة البارحة أن يجعله Silent  كما كان قد قرر صبيحة الليلة الفائتة والليلة التي قبلها أيضا والتي قبل قبلها , وإذ أن رأسه ثقيل مثل صخرة فقد كان يتلوح على وقع رنات الهاتف , ولم يكن في الواقع رأسه وحده بتلك الحالة بل كان جسده كاملا محملا بأرطال من التعب وصرر من الفزع والهواجس والتخمينات الأشبه بكوابيس ليل طويل بلا نهاية ومع ذلك وبالرغم منه فقد رد  في النهاية بصوته الغائص في الحلق مثل مريض اللو ز :

 آلـ .. و

  أيوه حميد أنا خلفان أكلمك من البلاد .. الوالدة ( … ) ماتت اليوم الفجر …

 أيـ ..وو..ه

  وباينتظروا ولدها ( … ) يرجع من العمرة قبل لا يدفنـوها …

  … !

 البلد كلها مشتلة من الصريخ …!

 آ.. هاه .. !

 آلوه .. أقولك الـوالدة ( … ) ماتت الفجر .. بلتقريب عند الساعة هنتين  … كيف انته بعدك راقد ?! قوم .. قوم صلي وركب سيارتك وتعال .. هتلحق على الجنازة ما أظنهم هايدفنوها قبل الساعة هدعشر الصباح !

كان الوقت قيظا والصحـراء كعادتها تهدر بخيلاء وبشرر رغم الليل وانطفاء الشمس منذ أكثر من تسع ساعات , وبين العاصمة والبلاد / القرية صحراء فصحراء فصحراء وكأنها فسحة للحشر ولم يكن أمام حميد خيارات كثيرة فكل ما يستطيع فعله في مثل هذه الحالة أن يفكر فقط في أداء الواجب وهكذا فقد ركب سيارته الصالون الرمادية بعد أن طوى عمامته البنية الداكنة الثقيلة فوق الكمة الرابضة على رأسه مثل برج هازا الخيزران بين أصابع يده اليمنى مثل رجل قديم حاملا نعاسه بين جفنيه داعكا عينيه مثل طفل .

 فجأة وهو يهم بتشغيل محرك السيارة خطرت له أوراق العمل المكد سة في المكتب والتي سبق لزميله أن وشى به بسببها أمام مسؤولهما المباشر وهذا نهره عليها بعد أن ناداه منسق المسؤول المباشر وحين دخل حميد اصطدم واقفا بنظراته المليئة برائحة التسلط ويديه وهما تهتزان أعلى الطاولة وكأنه مشهد تمثيلي , لقد كان صوت المسؤول مباشرا مثل مسماه الوظيفي وكان الزملاء في المكاتب الأخرى يتلصصون من خلف الباب على المشهد , لكن حميد غابت عنه روح الشاعر فلم يمتص غضبه وانداح فجأة مثل برق قاصف وعلت نبرة صوته للمرة الأولى وأجاب مسؤوله المباشر بعبارة واحدة ظل متحسسا منها طيلة اليوم ولم يعرف النوم طريقه إلى عينيه طيلة الظهيرة على الرغم من أنه كان قد أفاق باكرا في اليوم السابق وعلى الرغم من التعب والإرهاق الذي يعاني منه منذ أيام ولا يهم ما هي العبارة وكيف خرجت وكيف كان وقعها فالمهم بالنسبة لحميد على الأقل أنه رد عن نفسه سياطا غليظة لم ترحمه منذ شهر تقريبا أي منذ أن بدأ سهمه لدى مسؤول الوحدة في الشركة في الصعود بعد تقرير أعده صدفة لمسؤوله المباشر وهذا الأخير رفعه بتوقيعه إلى مسؤول الوحدة لكن حظ حميد كان عجيبا فقد نال التقرير استحسان مسؤول الوحدة فطلب رؤية المسؤول المباشر لحميد لكنه كان في مهمة خارجية كعادته وفي النهاية وصل الخبر بأن معده هو حميد ولا يعني حميد أيضا متابعة ما تم بعد ذلك فذلك شأن آخر وإنما يعنيه أن مسؤوله المباشر وفور عودته أبلغ بالأمر ولا يهم أيضا من أبلغه وكيف ولماذا ! وإنما المهم بالنسبة لحميد أن مسؤوله المباشر استشاط غضبا وكاد يسكع كرسيه للأسفل حين رمى بمؤخرته الثقيلة وكرشه الممتلئ عليه دفعة واحدة (ودفعة واحدة تعني بالضبط دفعة واحدة هكذا !) خاصة حين عهد مسؤول الوحدة في الشركة إلى حميد بإعداد تقرير آخر وبصورة مباشرة أي من دون أن يمر عبر قناة المسؤول المباشر لحميد وهذه كانت لطمة وفق وفهم المسؤول المباشر ولا يهم حميد هنا ما هي نتيجة التقرير وما الذي جناه من مسؤول الوحدة اضافة إلى اعجابه بالتقرير لكن المهم أن أمر حميد في القسم تبدل وبدا وكأنه مقبل على حرب أشباح وعليه أن يفاضل بين مسؤول الوحدة وهو مسؤول الجميع ورب الشركة وبين مسؤوله المباشر الذي يملك مفاتيح مستقبله الحقيقية وهو يدرك أن مسؤول الوحدة أي رب الشركة من النوعية التي لا يعجبها الشكوى والتبرم وحميد كذلك لا ينتمي إلى تلك المجموعة التي تفيض بها الشركة ولا هم لها سوى نقل الكلام بين المكاتب وهكذا فقد كان الحريق يبدأ في الصباح بين المكاتب ولا ينتهي إلا بعد سهرة في الحانة … لقد تذكر حميد كل ذلك دفعة واحدة ومع ذلك فقد ق دم الواجب وكان رأسه في غرفة السيارة يتمايل بين الأفكار و بين صحراء يسمع هدير لظاها بسهولة متناهية لولا هواء صوت المكيف .

كانت الأفكار تتناهى إلى رأسه متشابكة وكأنها استكمال لكوابيس ليلة الأمس وهكذا فقد حدثته نفسه عن اليوم الفائت الذي قضاه في المستشفى مكملا نصف ليلة إلى جانب ابن عمه الذي أفلت من الموت ضمن حرب الشوارع التي لا تنتهي , كان الحادث الذي تعرض له وهو قادم من الصحراء حيث يعمل في أحد حقول النفط جنائزيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى , ظن كل من شاهد جثة الجمل الباركة فوق رأس سيارته البيكب والزجاج المتكوم على الكراسي في غرفة السيارة والدماء المتجمدة في الجوانب ووسط الشارع المسفلت أن لا أحد حيا لكن ابن عم حميد ما زال يصارع الموت في غرفة العناية الفائقة بجمجمة مهشمة دون أن يأتي الموت وكأنه يأتي حين لا نطلبه فقط … وتذكر كذلك صديقته التي وعدها باللقاء وكيف أنهما ظلا يحاولان انتهاز هذه الفرصة منذ اسبوعين تخللهما سهر طويل على سماعتي الهاتفين كان حديثها مثل الماء الزلال وكان وحده البلسم الشافي وكان وحده الذي يصيب جسده بالخدر فيشعر أنه يطير مثل طائر خرافي فيشاهد العالم من عل .. كانت أنثى حقيقية طالما حلم بها منذ سنين وحين أتت فرح بها مثل قصيدة صفق لها الجمهور طويلا … تنهد حميد و ابتسم وكأنه عثر على مخرج ما لكل هذا التشابك والتعقيد الذي دهمه! فمن ناحية عليه أن يذهب للعمل أو هكذا يفترض ولأنه فضل الذهاب لأداء الواجب »لزوووو الاجتماعيات…! « فقد بدأ شعور بعدم الارتياح والخوف ينتابه ومن ناحية ثانية فهو على موعد مع حبيبته التي طال انتظارهما لفرصة اللقاء ففي كل مرة كانت أسرتها موجودة وتراقب تحركاتها لكنها الآن وحيدة في البيت مع الشغالة فقط ولا يهم حميد أين ذهبت أسرتها ولماذا ومتى ستعود فكل ما يهمه في هذه اللحظة على الأقل هو كيف يوفق بين أداء الواجب في القرية وبين لقاء حبيبته في العاصمة فهل يستطيع العودة قبيل المساء مثلا أي قبل انتهاء الفترة الممكنة لرؤيتها ?!

أخذ حميد نفسا طويلا ليس لأن ذكريات الحبيبة طفت على الصدر فقط ولكن كذلك لأنه تذكر بقدرة عجيبة على التذكر الأمسية الشعرية التي عليه أن يشارك فيها هذا المساء فحميد شاعر أيضا والقصيدة التي دوخته طويلا لم ينجزها بعد ليس مهما لماذا لم ينجزها وما هي العوامل التي حالت دون ذلك ?! فالمهم لدى حميد الشاعر أنها لاتزال برأسه تدندن مثل طبل وتتنفس معه الهواء ذاته المح مل بالخيبات والاحباطات المتتالية وهذا بحد ذاته مهم لشاعر حداثي مثل حميد لا تولد له قصيدة إلا في الماء العكر وبين محطات القهر .. كان ذلك مساء الأحد حين بدأ الاشتغال عليها وحامت أشباح القصيدة طويلا قبل أن يتنزل مطلعها المجهول دوما والصعب في كل مرة لكن مع ذلك لم تكتمل أي على عكس العادة لديه والعادة لديه أن المطلع هو القصيدة, فطالما تنزل من أي سماء كان فإن ما بعده أيسر وان لم يكن يسيرا .. كانت الاحباطات تتراكم ولا يعرف فعلا كيف أن المطلع الذي ظل يهجس في رأسه متشابكا مع أشياء عديدة قد لا يجمع بينها جامع .. كيف أنه وصل في ذلك اليوم وجسده منته ومع ذلك فقد سجله ونام !

وفجأة وهو يذري التراب على الميت في القرية رفرفت القصيدة بخيالها وخيلائها مثل محارب منتصر لكن روحها بدت أمام حميد وفي تلك اللحظة المأساوية شفافة مثل ماء النبع ولقد تقاطرت الكلمات أمامه برشاقة متناهية وبدأ يسجلها في وريقة صغيرة كان يحتفظ بها في محفظته والحقيقة أن فعلته تلك قد أثارت فضول العديدين ولم تكن سائغة لديهم وهي ملاحظة لم يكن حميد لينتبه إليها لولا أن أحدهم دفعه بكتفه وهو يهمس له »ما وقته تو ترانا نعرفك أنك كاتب … ! « وهكذا أعاد الورقة وغصة القصيدة تغرغر في حلقومه ولم يعد للبيت ركضا كما جرت العادة فقد تراجع أمام ثقل الواجب  وتأنيب الواقف إلى جانبه في المقبرة …
 
خالد العزري
قاص من سلطنة عمان


مصدر المقال مجلة نزوى
جميع حقوق هذا المقال محفوظة لمجلة نزوى

Check Also

ورش إبداعية تحت القصف

وجدي الأهدل * يولد الإنسان موهوباً بالفطرة، ولكن هذه الموهبة في حاجة إلى الصقل كالسيف …

في ثقافة القات في اليمن

عبدالله علي الزلب * إن النهج الأكثر ملاءَمة لفهم ظاهرة إقبال اليمنيين على استهلاك نبات …

المجلات الثقافية اليمنية ودورها المعرفـي

بلال قايد عمر * يقول بسام جوهر ” أن تعرف أمة هو أن تقرأ أدبها.فالنتاج …

جون آشْبيري: «بورتريه شخصي فـي مرآة محدبة»

ترجمة وتقديم زاهر السالمي * مقدمة: القصيدة الأشهر لجون آشْبيري «بورتريه شخصي في مرآة محدبة»، …

قصائد جديدة

صلاح فائق * اغضبُ حين أتذكر. أنا رجلٌ غير نافع، لم أتعلم من الطبيعة درساً …

كأن النهر يجري، والينابيع تنادي

أنس مصطفى * (1) ها أنتِ في رَمادِ المصَابِيحِ تغسلينَ بياضَ الشَّواهدِ في اللَّيلْ، تَزجُرينَ …

هذيان نابليــــون

زاهر الغافري * في المشفى الذي أدخلَني الحوذيون فيه فقدتُ كلماتي وكنتُ كلما أحاول أن …

مجرفة عمياء

دلدار فلمز * – 1 – يغنون للحب، يغنون للحرب وأن كل شيء يقع على …

مساء السبت مسائي

آمال موسى * بيني ومساء السبت غرامٌ لا يعلمه غيري غرامٌ غامض ينتابني في كل …

مقهى الجحيم

جورج ضرغام * جدران مطلية بمخيلة غراب. بيوت عرجاء تخبئ خلخالها في جيب عاصفة متسولة. …

×