Wednesday , 12 August 2020

أقنعة السان سيمونية جدل الإمبريالية والتحديث

والعالم يحتفل هذه الأيام بمرور مائتين وخمسين عاماً على ميلاد الفيلسوف الفرنسي هنري دوسان سيمون H.de Saint-Simon (1760-1825)، ليس من المبالغة القول أن ما قدمه هذا الفيلسوف، وتابعه تلامذته من بعده، فيما أطلق عليه المذهب السان سيموني، أو السان سيمونية، يحتل مكانة غريبة من تاريخ الفكر الاجتماعي، حين راوح في معانيه بين اعتباره مساهمة في حل تناقضات مجتمع الرأسمالية الصناعية المتنامي وقتذاك في أوروبا، وبين النظر إليه كإحدى محاولات الاشتراكية الخيالية، التي أجمعت على تأكيد مساوئ النظام الرأسمالي، وإن لم تهتد إلى أسبابها الحقيقية، أو الوصول لبديل أفضل.
يزيد من التباس التعرف على السان سيمونية، لحظ صورة إنتاجها النظري بمعزل عن معضلات الواقع، أو تقسيمها بين النظرية والممارسة، أو قراءتها في إطار علم الاجتماع دون علم التاريخ.
ذلك أن العلاقة بهذا المذهب لا تنتهي بمجرد استطلاع نصوص صاحبه سان سيمون، أو أفكار أتباعه، إنما تتخذ مصداقيتها عبر استيضاح المحاولات العيانية الملموسة التي قاموا بها في مصر والسودان والشام وتركيا والحجاز والجزائر، بهدف تحقيق حلمهم في إقامة نظام اجتماعي جديد، تسود فيه الصناعة، ويستنير بتطبيقات العلوم الحديثة، وتعمل أرستقراطية الجدارة للصالح العام بالإنتاج المفيد، ويتعاون الجميع على تلافي الحروب.
إذْ لا معنى لهذا الخطاب، بدون الرجوع إلى ذلك التاريخ، الذي راكم ممارسة نوعية، تعيد طرح سؤاله على نحو يختلف عن قراءته النظرية، وهو ما يدعو للقول بأن وضوحه لا يمكن أن يتم خارج إطار هذه المحاولات، التي تهيئ الشروط الموضوعية لقراءة له كاشفة.
ولعل ما يؤكد مشروعية هذه القراءة، أن سان سيمون نفسه كان مقتنعاً أن نظامه الاجتماعي الذي بشر به، يتضمن التوفيق بين الفكرة والواقع، حيث الإمكانيات الإنسانية لم تعد تهم التفكير النظري وحده، بعيداً عن المجال العملي(1).
مطامـع أم مبـادئ؟
لنحاول، ابتداء، قراءة مفاهيم وفرضيات الخطاب السان سيموني، في إطار علاقاته المتشابكة مع التاريخ والأيديولوجيا: ذلك أن أوروبا، ومنذ عصر النهضة، بدأت تؤسس القواعد البنيوية لمشروع اقتصادي اجتماعي ذي نزوع كوني.. مشروع نظام رأسمالي يستند إلى مقومات العلم والمبادرة والاستغلال والهيمنة، ويعتمد على التصنيع، الذي شهد، مع بدايات القرن التاسع عشر، وخاصة في انجلترا وفرنسا، تطوراً ملحوظا، لدرجة اختلفت آراء المفكرين حوله، ما بين معارض لآثاره السيئة واستغلاله لمصالح العمال، ومؤيد لنتائجه الإيجابية في زيادة الإنتاج والرفاهية.
وقد رأى سان سيمون في التصنيع أهم ما يميز نظامه الجديد، باعتبار: «أن المجتمع ككل مبني على الصناعة، وهي الضامن الوحيد لوجوده، والمصدر الأساسي لكل ثروة ورخاء، ومن ثم فإن الوضع الأكثر ملاءمة للصناعة هو الأكثر ملاءمة للمجتمع. هذه هي نقطة بداية كل جهودنا، وكذلك هدفها»(2).
ويثار هنا سؤال حال: لماذا الحاح سان سيمون على الصناعة، فيما كانت تتصاعد أيامه تناقضات جلبتها نتيجة تشغيل الأطفال وتزايد البطالة ومعاناة العمال؟ ربما يقف وراء هذا الإلحاح، وجود منتج صناعي انجليزي قوي ومسيطر، كان مثار حسد الفرنسيين، فيما كانت الصناعة الفرنسية لا تزال فرعاً صغيراً في الاقتصاد، ولم تشكل بعد قاعدته الأساسية، أو كان بدافع انتقال الرأسمالية الصناعية من طور الرأسمالية التنافسية إلى الرأسمالية الإمبريالية.
الأمر وارد في كلا الحالين، وإن كان علينا ألا نغفل أن مفهوم «الصناعية» L›industrialisme، أو الاتجاه نحو التصنيع الذي لا يقبل الانفصال عن العلم. يمثل عصب المنظومة المفاهيمية لدى سان سيمون. أنه كل الأعمال السلمية ذات النفع الإيجابي، وأي جهد إنساني يستهدف تحقيق حياة سعيدة, ومن ثم فهو ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل مرحلة متميزة من المعرفة البشرية تتضمن سيطرة الإنسان على الطبيعة، وتمرسه على الفنون المتصلة بالإنتاج على نطاق واسع، وهو ما لا يتحقق إلا بمبادرة «الرجال ذوي الخيال»، أو ما يطلق عليهم سان سيمون «حواريي التصنيع».
ولئن كان الاقتصاديون يعدونه أسلوباً لنشاط هادف لقطاع من الاقتصاد ينحصر فيما يعرف بالإنتاج الصناعي، فإن سان سيمون نظر إليه على أنه عملية متكاملة تستهدف تغييراً اجتماعياً شاملاً للمجتمع، بواسطة خلق نظام اجتماعي جديد يعتمد على العلماء ورجال الصناعة، بدل النبلاء والإكليروس في مجتمع العصور الوسطى الإقطاعي، وبهذا المعنى، فإن كلمة «الصناعيين» لديه تشمل كافة المنتجين من مزارعين أو ملاك أراض أو أصحاب مصارف أو حتى صانعي أقفال، تمييزاً لهم عن «العاطلين» Les Oisifs من أرستقراطية النظام القديم وطبقة الجند، أنهم بتعبيره «الطبقة المرضعة للمجتمع».
فأصحاب المصانع بما يقدمونه من خدمات، والعلماء بما يعرفونه من أسرار الكون، وما يقترحونه من تصورات وبدائل ووسائل عامة تعمل على تحسين الأوضاع، والفنانون بما يبدعونه من قيم التغيير والتوعية بها، هم أعمدة النظام الجديد، وبالتالي فإن كافة ما يواجهه المجتمع البشري من مشكلات، سيجد حلها في إسناد السلطة السياسية إلى تقنيي وخبراء الاقتصاد الصناعي، ممن عليهم أن يتربعوا على قمة هذه الجماعة، وفي أعلى مراتب النظام الاجتماعي الجديد. ويؤكد سان سيمون على أهمية هذه الفئات، حين يفترض أنه: «لو ماتت في ليلة فاجعة أكثر الشخصيات الكبرى من الأسرة المالكة والوزراء وكبار القضاة، وسواهم ممن هم في هذه الطبقة، فإن الشعب الفرنسي سيبكيهم حتماً لأنه شعب حساس، ولكن هذه الفاجعة لا تبدل أمراً مهما أو تحدث تغييرا له أثره في أعماق الشعب، أما لو ذهبت هذه الفاجعة برؤوس العلماء والصناعيين وأرباب المصارف، فإن خسارة المجتمع فيهم تضحى هائلة، لأن مثل هؤلاء لا يمكن تعويضهم بسهولة»(3).
وفي هذا النظام، يحل العلم محل الدين، والجمهورية بدل الملكية، والعالمية بدل الأفكار القومية والمشاعر الوطنية اللاعقلانية، والوضعية في دراسة السلوك البشري مكان الميتافيزيقية، بواسطة ما أطلق عليه سان سيمون «علم دراسة وظائف الأعضاء الاجتماعي» La Physicologie Sociale»»، وتنتفي الملكية الوراثية، واستغلال الإنسان، وترث الدولة أساليب الإنتاج باعتبارها رابطة العاملين L›Association des Travailleurs.
وبهذا المقتضى، تحددت توجهات سان سيمون في تعليم قومي تقوم به المدرسة المتعددة الفنون، أو مدرسة الهندسة العسكرية L›école Polytechnique التي أسسها بونابرت، لتلقين الشعب أسس النظام الجديد، وميزانية يقترع عليها الصناعيون، مع إلغاء ألقاب النبالة وضمنها تنازله عن لقب «كونت»، وإعادة تنظيم الحرس القومي وانتخاب الضباط من قبل الجنود، وحل البرلمان، وإعلان الدكتاتورية لفرض الإصلاحات.
التحـول:
على أن اتباع سان سيمون قد اختلفوا في تفسير أفكاره بعد وفاته في 19 مايو 1825، وتعددت وتباينت توجهاتهم ما بين اشتراكيين، وخبراء فنيين مغامرين، وممولين، وصناعيين: فقد أولها أرمان بازار A. Bazard (1791-1832) إلى نقد جذري للنظام الاجتماعي القائم، وتنديد بالنظام الصناعي الاستغلالي، ومناداة بالثورة وبإلغاء نظام الملكية الخاص. وصاغ سكرتيره أوجست كونت A. Comte (1798-1857) شعارا مزدوجا: النظام والتقدم، صوره على أنه كاشف للنظام، وأن ما نحتاجه لاستكمال المجتمع الجديد ليس الثورة، ولكن التطبيق السلمي للعلم والمعرفة، أي الوضعية Positivisme، التي مثلت لديه اتجاه النشأة الأولى لعلم الاجتماع عام 1830(4). أما بيبر ليرو P. Leroux، فطوّر المضمون الاجتماعي الكامن في فكر سان سيمون، ما حدا به أن يصك كلمة «الاشتراكية» Le Socialisme وترجمتها الحرفية النزعة الاجتماعية أو الدفاع عن المجتمع، عبر إعطائها معنى «التضامن» Philia، وقام بإشاعتها في صحيفة (العالم) Le Globe، بما لا يفيد إلغاء الملكية الخاصة، بقدر ما يشير أن الملكية ذات طابع اجتماعي، ومن ثم ينبغي أن يكون المجتمع كله مسؤولاً عنها. أما الهيئة التي تمثل الاقتصاد العام، فهي نظام مصرفي مركزي ينظم الصناعة والإنتاج وفق الاحتياج العام.
ولجأ أتباع آخرون إلى الاشتغال بالصناعة، وأصبحوا من كبار الرأسماليين، مع قيام الأخوين اسحق واميل بيرير Issac et Emile Pereire بمد خطوط السكك الحديدية عبر أرجاء القارة الأوروبية، وفي منافسة ضارية مع عائلة روتشيلد الإنجليزية، أدت بهما، آخر الأمر، إلى الإفلاس عام 1869. وقام سان سيموني آخر هو تالابو P. Talabot، بشراء كافة البوارج، لاستثمارها في أعمال النقل البحري.
لقد ابتدأت على أية حال، مرحلة جديدة للجماعة السان سيمونية منذ عام 1829، حين وضعت تسلسلاُ تراتبياً لأعضائها.ومنذ ذلك العام، تكاثر عدد الأنصار، وأغلبهم من خريجي مدرسة الهندسة العسكرية، ومعهم مسؤولون ورجال أعمال كبار تركوا وظائفهم ليلتحقوا بالجماعة. زاد على ذلك، انضمام صحيفة (العالم) الليبرالية إليهم بدءاً من عام 1830، وانشاء أربعة مراكز للدعوة إلى المذهب في باريس، وست كنائس في بقية أنحاء فرنسا، وأخرى في بروكسيل وليبزيج.
أما بارتلمي بروسبير أنفانتان P.B. Enfantin (1796-1864) خريج مدرسة الهندسة العسكرية، فقد انضم إلى الجماعة في اليوم التالي لوفاة سان سيمون، وجرى اختياره مرشداً لها عام 1831، ليضيف إلى الأهداف التي حددها سان سيمون، أفكاراً عن «رد اعتبار الجسد» بواسطة شيوع النساء، والاتجاه نحو الكهنوتية، واتخذ مع أتباعه صومعة في أحد أحياء باريس النائية، هو حي منليمونتان Menlimontant وخلع عليهم ملامح «كاريكا ثورية»، تميزت بها كالثياب الغريبة، وتقديم المحاضرات المذهبية والدروس العقائدية والعروض المسرحية والأناشيد، والتدريب على العمل وزراعة الأرض بأنفسهم، والاستغناء عن الخدم، مما أثار حولهم الكثير من الشكوك والسخرية. وفي المجمل، أعطى أنفانتان المذهب مسحة دينية وطقوساً صوفية أطلق عليها «القانون الحي» Le Loi Vivant» مما دعا أتباعه أن يلقبوه «بالأب» Le Pape، أو «مسيح الجمهورية الجديدة». وأفلح أن يضم إليه كثيرين من خريجي مدرسة الهندسة العسكرية، والتي رآها المصدر الذي سيثري السان سيمونية، ويحقق تنفيذ مشروعاتها العالمية.
وقد عرفت الرأسمالية كيف تستفيد من هذا المذهب، عبر توظيف الأفكار التي تلائمها، من مثل مناداة سان سيمون باستثمار المعمورة، والتعاون الدولي عن طريق شق الطرق والقنوات، واستخدام القوة ضد العمال لفرض النظام الاجتماعي الجديد، أو إجبارهم على حبه حبا «أخويا»، أو من مثل ما تنادت به صحيفتهم (العالم) حول تنظيف باريس، وإنشاء سكك حديدية بين المدن، وتصدير الحضارة الأوروبية إلى أفريقيا (o)، بحيث أصبح المذهب في فترة أحد التيارات الفكرية التي تعمل على توفير لحْمة داخلية وسنداً خارجياً للرأسمالية، وإن غدا في فترات أخرى حرباً على النظام القائم، وخاصة مع أفكار بازار التي دعت إلى نقده.
الرحيـل إلى الشـرق
كان من الطبيعي أن تتسبب هذه الأفكار، وبالذات حين انتشر السان سيمونيون، بزعامة مرشدهم الجديد أنفانتان، يدعون إليها، في ازدياد غضب الحكومة الفرنسية. وزاد في السخط عليهم إثارتهم لرجال الدين، بإعلائهم من شأن الجسد الذي تحقره الكاثوليكية، وتطلعهم إلى تولي الحكم في فرنسا، اعتقاداً منهم أن الواجب يقتضي أن يتخلى لهم الملك لويس فيليب Louis-Philip (1777-1850) عن مكانه، لأنهم أكثر منه مقدرة وكفاءة.
لهذه الأسباب، أخذت الحكومة في مطاردتهم، وقدمت أنفانتان مع أربعة من أتباعه إلى محكمة الجنايات في أغسطس 1832، بتهمة تهييج الرأي العام، والقيام بأعمال تخل بالأخلاق والقيم وتهدد النظام. وصدر الحكم بإيداعهم عاماً بسجن سان بلاجي St. Pelagie مع حل الجماعة ومصادرة مقارها ومطبوعاتها.
ومع مظاهر الفشل ووطأة الاضطهاد الذي استشعروه، وتعرضهم للانقسام مطلع عام 1833، بدأ تفكيرهم في الهجرة، كمحاولة للتعويض، وتحقيقاً لشعاراتهم عن استثمار المعمورة والتعاون الدولي، وممارسة تجارب اجتماعية على أراض جديدة، وهو ما يوضحه اقتراح ألكسيس بيتي A. Pétie على أنفانتان الرحيل لفترة، بعيداً عن فرنسا، «فلا يصبح خائفاً مكروهاً مهيناً كما كان، بل يرجع وقد اكتسب محبة الناس ورغبتهم في مجيئه.. وذلك بقيامه بعمل مجيد خارج فرنسا، يضفي عليه الشهرة، ويؤدي إلى رد اعتباره»(5).
كان من رأي بعض السان سيمونيين التوجه صوب القارة الأمريكية الجديدة، لكي يكملوا ما بدأه سان سيمون هناك، أثناء تطوعه في «فيلق الحرية» بقيادة المركيز دولافاييت De Lafayette مشاركاً في حرب الاستقلال الأمريكية، حين اتصل بالمسؤولين في المكسيك لشق قناة تصل بين المحيطين الأطلسي والهادي، وهي القناة التي عرفت فيما بعد بقناة بنما. لكنهم صرفوا النظر عن هذه الفكرة، رغم ما تمتع به أمريكا من أراضٍ واسعة، وعدم معاناتها من تقاليد التخلف التاريخي التي تعوق التقدم البشري. وزاد في ابتعادهم عن الذهاب لأمريكا، أن اتباع روبرت أوين R. Owen، وكتائب شارل فورييه Ch.Fourier.، وجماعات ادموند كابيه E. Cabet، كانوا قد سبقوهم إلى هناك، وأقاموا أعداداً كبيرة من المستعمرات، تحت شعار «توجهوا غرباً أيها الشباب»، الذي روجوه وقتذاك(6).
واستقر عزمهم، في الأخير على الرحيل إلى الشرق، اتساقاً، ربما، مع حمى الاهتمام بهذا العالم الذي كان سائداً في تلك الأيام، وهو ما عبر عنه الشاعر الفرنسي فكتور هوجو V. Hugo عام1829 بقوله أنه: « في عصر لويس الرابع عشر، كان الناس يتخصصون في الدراسات الهيللينية، فأصبحوا الآن مستشرقين».
وزاد في هذا العزم، ما استقر في معتقد أنفانتان بأن الرب إذا كان قد بشر بابنه المسيح، فلا شك أنه سيهب الإنسانية أيضاً ابنته «المرأة»، المنقذة الحقيقية للبشرية من خطاياها، والموجهة السديدة نحو الأخلاق السوية، وأنه إذا كان الغرب قد أنجب «الأب»، فلابد أن يكون الشرق قد أنجب «الأم» امرأة المسيح La Femme-Messie (7).
ثم أنهم هناك في الشرق يمكن أن يقوموا بتنفيذ أكبر مشروعاتهم، وهو حفر قناة في مصر تصل البحرين المتوسط والأحمر، وإنجاز البحر الأفريقي الداخلي بين تونس والجزائر، واستخراج الذهب من مدفونات السودان، والمشاركة في الإصلاحات التي تشهدها الدولة العثمانية بدايات ما عرف باسم «التنظيمات الخيرية»، كحركة إصلاحية على النمط الفرنسي تحديداً، وكلها أعمال سوف ترفع مكانتهم لدى الحكومة الفرنسية. أن الشرق كمفهوم، يمثل لدى الغرب كل العالم الذي لا يدخل في دائرته أو في إطار امتداده المباشر، وقد حلا لادوارد سعيد أن يطلق على الحركة المتزايدة لإقبال الأوروبيين على زيارة الشرق «تيار الحج إلى الشرق»، مذكراً أنه: «كان الكثيرون من أوائل هواة الشرق قد بدأوا بالترحيب به باعتباره إقلاقاً صحياً للعادات الفكرية والروحية الأوروبية، فبالغوا في تقدير قيمته.. بسبب روحانيته، واستقراره، وعمره الطويل، وخصائصه البدائية»(8). على أنه كان ضرورياً الاقتصار على «الشرق الأقرب»، ذلك الذي لم يتوقف الغرب عن الاحتكاك به منذ قرون، والذي يشكل الشاطئ الآخر لحوض المتوسط.
السويس هي الرهـان
ولدى أنفانتان، فإن: «الشرق الغامض كلغز الصحراء، كلمة ساحرة مليئة بالضوء والسر. والشرق معناه مصر.. مصر الساحرة، أرض فرعون وموسى والنيل»(9).
ولكن، لماذا مصر بالذات؟
لقد لفت نظر السان سيمونيين موقع هذا البلد الذي ذكره الإنجيل في آيات كثيرة من سفري التكوين والخروج، ثم إنه على ما يرى أنفانتان أهم أجزاء أفريقيا، وممر مسلمي القارة في طريقهم إلى مكة، كما أنها تقع في أكثر الجهات ملاءمة لتسيير الحملات إلى مختلف الأرجاء، ولدى أهلها استعداد لتذوق العلوم والمعارف، وبذا يمكن إقامة مشروعات منوعة فيها تعود عليها وعلى العالم كله بالفائدة، وفي مقدمتها مشروع حفر قناة تصل بين أوروبا والهند، فتستفيد مصر عندما تصبح ممراً لتجارة العالم كله، وتنتفع أوروبا نتيجة اقترابها من أسواق الشرق.
بعد هذه الفترة بنصف قرن، وتحديداً عام 1884، سيجيء ارنست رينان E.Renan ليفلسف هذه الرؤية، ويعطيها أبعاداً استراتيجية، حين تحدث عن أنه: «من خلال أوهام كثيرة، ظهرت حقيقية ثابتة هي موقع مصر الفريد. فهي مفتاح المدخل إلى افريقيا عبر النيل، وهي حارسة أهم نقطة في عالم البحار. لذلك فإن مصر لم تعد وطناً بقدر ما هي رهان. وإذا كان لبلد ما دور يمس مصالح الإنسانية المشتركة، فإنه يذهب ضحية هذا الدور، اعتباراً من أن الأرض التي تهم، إلى هذا الحد، العالم بأسره، لا يمكن أن تنفرد بامتلاك مصيرها، بل لابد من تحييدها لصالح الإنسانية، وإلغاء مبدأ القومية فيها. أن التدبير العقلاني والعلمي لهذا الكون، يبقى مشدوداً لهذا الوادي العجيب الذي يوحي بالفضول حيناً، وحيناً آخر بالجشع أو الحذر»(10).
ومما شجع السان سيمونيين على اتخاذ مصر مركزاً لنشاطهم في الشرق، إعجابهم بالإصلاحات التي نفذها محمد علي، أو «المتبربر العبقري» Le Barbare de Genie» بتعبير أحدهم، حيث يملك في يده وحده مقاليد الاقتصاد، فيما النظام الجديد الذي أدخله فى مجال تكوين الجيش والصناعة والتعليم، كان قريبا إلى حدّ كبير من أفكارهم حوله الإصلاح والتحديث، فضلاً عن أن جيشه يحميه من الانتفاضات، وبلوغه أيامها، أي في السنوات التي أعقبت حملته على الشام عام 1830 ذروة مجده، حيث تستند دولته على أسطول وجيش منظمين، وتضم مصر وسوريا ولبنان والسودان، إضافة إلى الساحل الشرقي والغربي للبحر الأحمر، وكلها أمور تسهل من مهمتهم. ويزيد من يسر هذه المهمة، وجود عدد غير قليل من الأوروبيين، ومن الفرنسيين خاصة، بمصر، على رأس العديد من المؤسسات التعليمية والصناعية والعسكرية، وهو ما وقر في اعتقاد السان سيمونيين، أنه بمعونة هؤلاء، وكذلك بمساعدة الشبان المصريين الذين تلقوا العلم في فرنسا، يستطيعون تنفيذ مشروعاتهم، وعلى رأسها شق قناة السويس. ثم انه، وكما استند بونابرت للقيام بحملته على مصر في تمكنه من حكم فرنسا، يمكن استعادة التاريخ نفسه، فيتسلمون مقاليد الأمور بها عن طريق مصر.
الفكرة التي سيطرت عليهم إذن هي الشرق، والشرق هو مصر، ومصر هي السويس، والسويس هي الرهان، بواسطة ما أطلقوا عليه «حملة فرنسا الفكرية الثانية» بعد حملة بونابرت العسكرية، وكاستمرار لجهد الجماعة العلمية التي صحبت هذه الحملة(11).
وقد بلغ من إيمانهم بضرورة بسط نفوذ فرنسا في مصر، أنهم صاروا يدعون الحكومة الفرنسية إلى تأييد دعاوى الدول الأوروبية الأخرى، خاصة روسيا وانجلترا، في الاستيلاء على بقية الولايات العثمانية، حتى لا تلقى فرنسا معارضة من جانب هاتين الدولتين، قد تحول دون نفاذها إلى مصر، اعتباراً من أن خطوط الصراع القائمة بين هذه الدول الأوروبية، محكومة باستراتيجية تطويق الدولة العثمانية، وأحداث اختراقات جزئية ضمن مجال سيطرتها في البر والبحر، بما يعزز قدرة أوروبا على التحكم بحقل العلاقات، وتوظيفه في خدمة مصالحها.
وسوغ أنفانتان لهذه الفكرة، بتأكيده أن ثمة ضرورة ملحة فرضتها «السماء»، وسيشهد القرن التاسع عشر مردوداتها، هي استعمار الغرب للشرق: «لأن الرب يدعو روسيا صوب الأناضول، وفرنسا نحو مصر، وانجلترا تجاه أرض الفرات، من أجل إدخال المدنية الأوروبية إلى هذه البلدان المتخلفة، ونشر ألوية الحضارة بين ربوعها، وذلك عبر القيام بحملات صليبية سلمية لنشر الحضارة المسيحية ودعم أركانها»(12).
وقد رحبت الحكومة الفرنسية برحيل السان سيمونيين، وشجع مسؤولوها أصحاب السفن التجارية على نقلهم إلى الشرق، بل ووافقوا على سداد النفقات اللازمة إذا عجز السان سيمونيون عن سدادها. وهكذا سافر العديد منهم إلى الشام، وتركيا، وفلسطين، والحجاز، والمجموعة الأكبر إلى مصر، ساعد عليه اهتمام الأوساط الثقافية والعلمية الفرنسية بعلم المصريات Egyptologie مع نجاح شامبليون Champollion في فك رموز حجر رشيد والكشف عن تاريخ الحضارة المصرية القديم، وإهداء محمد علي للملك لويس فيليب مسلة الأقصر، واهتمام البورجوزاية الباريسية أيامها بكل ما يتصل بالحضارة الفرعونية من صور وتماثيل وزي وأثاث(13).
ومهد أنفانتان لرحيله إلى مصر، بإيفاد مجموعات متتالية من أعوانه للإعداد لاستقباله، ووصلت طلائعهم إلى الإسكندرية نهاية أبريل عام 1833، يرتدون الزي الرسمي الذي صممه أنفانتان، ويشرعون بمجرد وصولهم في الدعاية لمبادئ الجماعة، بإصدار صحيفتهم (المرشد المصري) Le Moniteur Egyptien بهذه المدينة. وبعد شهر، وصلت مجموعة ثانية عن طريق الآستانة، عرفت باسم «رفاق المرأة» Les campagnes de la femme»، حيث طردتهم الحكومة العثمانية لعدم رضائها عن مبادئهم، فجاءوا إلى مصر وقد خلعوا زيهم وحلقوا ذقونهم، كي لا تساء معاملتهم كما حدث لهم في تركيا.
وحال مجيئهم، لم ينشغل محمد علي بأفكارهم، وإنما نظر إليهم كتقنيين، كما استقبلوا استقبالاً طيباً من قبل مستشاريه الفرنسيين، وكان نائب القنصل الفرنسي الشاب فردينان دوليسبس F. de Lesseps مبهوراً بآرائهم، على حين تحفظ القنصل العام لأن حكومته حذرته منهم.
وقد رحبت بهم السلطات المحلية بأمر من الباشا محمد علي، بالنظر إلى أنهم يمكنهم خدمة أغراضه في التأثير على الرأي العام الأوروبي، لتحسين صورته كحاكم مستنير، وفرصته في إرغام الدولة العثمانية على منحه حكم وراثي لمصر. إذ لم يكن لدى الباشا القدرة على تعيين سفراء أو قناصل له في العواصم الأوروبية، لأنه عملياً ليس سوى حاكم ولاية في هذه الدولة، لذا فلم تتوفر أمامه سوى أدوات قليلة للتأثير على الرأي العام الأوروبي، كانت إحداها استمالة مثل هذه الجماعة واحتضان طموحاتها(14).
ولدى السلطات المحلية في مصر، لم يكن هؤلاء السان سيمونيون سوى مجموعة من «السياح» أو «الرحالة»، ومن ثم فهم ليسوا موضع شك، وبالتالي لا يستدعي الأمر مراقبتهم كجماعة، وإن لم تتخل هذه السلطات عن مراقبة أفكارهم.
على أن أنفانتان لم يكن مطمئناً لترحيب محمد علي بأتباعه، خاصة وأن الباشا قد اجتذب جماعات أوروبية عديدة ومختلفة، قدمت إلى مصر للمساعدة في بناء دولته، ووصل عددهم قرابة الخمسة آلاف عام 1835، إضافة إلى ما لاحظه أنفانتان حين التقى الباشا، الذي تظاهر أمامه بنسيان واقعة تواطؤ سفن الأسطول الفرنسي مع الأسطول الإنجليزي في تدمير الأسطول المصري عام 1828 في موقعة نوارين، وقيام فيلق فرنسي بطرد العثمانيين المتحالفين مع المصريين هناك في المورة.
بوسفـور واحد لا يكفي
ويذكر المؤرخ الإغريقي القديم هيرودوت Herodotus، أن الفرعون نخاو خطرت له فكرة وصل البحرين الأحمر والمتوسط عن طريق قناة، واستشار في البداية كاهنة معبد دلفي الإغريقية، لكنه تخلى عن مشروعه بعد أن جاءه رد الكاهنة بأن هذا العمل ستكون نتيجته تسليم البلاد إلى البرابرة الهكسوس. ومطلع القرن الثامن عشر، قدم الفيلسوف الألماني جوتفريد فيلهلم لايبنتز G.W. Leibniz (1646-1716) دراسة إلى الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، حاول فيها إقناعه بتبني هذا المشروع.
ومع نهاية نفس القرن، بدأ اهتمام فرنسا به، كرد لاستيلاء بريطانيا على مستعمرة الكاب الهولندية في جنوب أفريقيا بما تضمه من موقع رأس الرجاء الصالح، ثم استعمارها لجزيرة سيلان، وإقامتها المتاعب في وجه السفن الفرنسية التي تجوب هذه المناطق. وخلال حملتها العسكرية على مصر عام 1798، نصت المادة الثالثة من قرار حكومة الإدارة Directoire، الخاص بإرسال هذه الحملة، بوجوب العمل على شق قناة في برزخ السويس، كإحدى المهام الأساسية الموكلة لها. وحال استقرار الحملة في القاهرة، انتقل بونابرت ومعه كبير مهندسية لوبير Le Pére  إلى السويس، وقاما بدراسة على الطبيعة، جانب فيها لوبير الصواب، حيث أخطأ في حساب مستوى البحرين الأحمر والمتوسط.
كذلك راودت سان سيمون الفكرة، عبر مشروعه العالمي حول شق قنوات تصل المحيطات والبحار، مثل قناة انبارتيدو Inpartido (بنما لاحقاً) في المكسيك بين المحيطين الأطلسي والهادي، وبين مدريد والمتوسط، وبين الدانوب والراين، وبين الراين والبلطيق، وبين تونس والجزائر، إلا أنه حين مات عام 1825، لم يكن قد تجاوز مرحلة الدراسة الأولية في مشروع القناة بين البحرين المتوسط والأحمر، فترك الفكرة لأتباعه يتعهدونها، واعتبرها أنفانتان، مع قناة بنما، تحتلان أهمية قصوى في تقدم التجارة وازدهار الحضارة وتعاون الشعوب، إضافة إلى أنهما يمكنا أن يحققا مصداقية مذهبه في التصنيع والعالميية. وقد خلبت الفكرة عقل أنفانتان، وهو ما يتضح في قوله أنه: «علينا أن نشق بين مصر وأرض يهوذا (فلسطين) طريقا من الطرق الجديدة التي تصل أوربا بالهند والصين.. وبذلك نضع أحد أقدامنا على أرض النيل، والآخر في بيت المقدس في حين يمتد ذراعنا الأيمن إلى مكة، بينما تلمس الأخرى روما مرتكزة على باريس. أن السويس هي محور حياتنا العملية، وفيها سوف نقوم بالعمل الذي ينتظره منا العالم ليعترف بأننا رجال»(15).
واستولى إعجاب السان سيمونيين البالغ بهذا المشروع، إلى درجة تخايله كتجسيد لأيديولوجيتهم «الإنسانية العالمية»، وانتزاع لدور فاعل لهم ضمن إطار نظام السيطرة الخارجي للدولة الفرنسية، تحت غطاء كونهم رسل الحضارة الأوروبية «لاستعمار الغرب» للشرق سلميا.
وقبل مجيئه إلى مصر، حصل أنفانتان على موافقة الملك لويس فيليب وممثلي حكومته في القاهرة والإسكندرية بشأن المشروع، وشرع حال مجيئه في توجيه نداء لمؤسسة بدراسات فنية في منطقة برزخ السويس. وبناء على النتائج التي عادوا بها، ذهب بنفسه إلى المنطقة مصحوباً بعدد من مهندسيه، خلال شهري يناير وفبراير 1834، وكان يهودية عالمية لتمويله، وقام بعض أتباعه، ممن سبقوه فى الحضور إلى مصر مزوداً بخطابات توصية من جوزيف سيف J. Seve (سليمان باشا الفرنساوي) المسؤول وقتذاك عن تدريب الجيش المصري، إلى رجال الإدارة في المناطق التي تقرر زيارتها، وطافوا بفرع دمياط، وزاروا المنصورة وزفتى، ثم اتجهوا إلى قلب البرزخ، وساروا بحذاء القناة القديمة حتى وصلوا إلى البحيرات المرة، وقاموا ببعض الأعمال الفنية المتصلة بالمشروع، وصمموا خطوطه الأساسية.
وفي القاهرة، جرت محاولة لإقناع محمد علي بتنفيذه، لكنه كان في ذلك الوقت يبحث في مشروعات أخرى لكل منها أنصاره: فلينان دو بلفون L.de Bellefonds يدعو لبناء سد القناطر، وشركة رافن وهيل Raven and Hill الإنجليزية تعرض لمد سكة حديدية بين القاهرة والسويس كبديل عن مشروع القناة المقدم من قبل السان سيمونيين. وعندما قدمت هذه المشروعات للمجلس العالي، تقرر تفضيل بناء القناطر، بهدف التوسع في الزراعات الصيفية وبخاصة القطن، ورفض مشروع القناة والسكة الحديدية، لاعتقاد محمد علي أنهما سيزيدان من مطامع الدول الأوروبية في مصر حال تنفيذ أي منهما. ورغم رفض مشروع القناة، عوّل أنفانتان ومن معه على المشاركة في مشروعات أخرى. علّ فرصة تسنح مستقبلاً لتحقيق حلهم في تنفيذ مشروع القناة.
صبـايا القناطـر
سارع أنفانتان، مع زميله شارل لامبير Ch. Lambert بوضع خدماتهما تحت تصرف الباشا للمساهمة في مشروع القناطر. ويبدو أنه شعر بأن الجماعة السان سيمونية لديه تتكلم كثيراً دون عمل ملموس ومحدد، وخشي أن تثير أفكارهم حفيظة الإنجليز، فقرر توجيه نشاطهم إلى إنشاء القناطر، فغادر لامبير وأنفانتان القاهرة إلى هناك، وانشغلا بأعمال المسح والقياس، قبل أن يبدأ العمل الرسمي في المشروع يوم 12 مايو 1834. وما لبث أن سافر عدد من أعضاء الجماعة إلى القناطر بقيادة كلوريد روجيه C. Roget، مصحوبين بمجموعة من «صبايا القناطر» الفرنسيات اللائي جئن مع الجماعة إلى مصر، ولحقت بهن «ابنة الشعب» سوزان دو فولكان s. de Volquin.
ومنذ أخذ أنفانتان على عاتقه المساهمة في المشروع، بدأ يبدي اهتماماً كبيراً به، فقدم إلى لينان، المدير الفعلي للمشروع، برنامجاً مفصلاً للخطوات الواجب اتباعها، مقترحاً البدء بمسح المنطقة، وتجهيز المواد والمعدات، وتمهيد الطرق الضرورية لنقلها، وإقامة مدرسة للهندسة في منطقة القناطر كي يلتحق بها عدد من الطلبة لمتابعة المران العملي أثناء دراستهم النظرية، وأشار في تقرير رفعه إلى لينان «بإضفاء الطابع العسكري على أعمال سد القناطر، عن طريق استخدام (18) فرقة من العمال، تضم كل منها ألف رجل»، وفكر في أن يستفيد من صبايا القناطر في تعليم القرويات المصريات بمدرسة تنشأ هناك لهذا الغرض. وقد عسكر السان سيمونيون في الموقع داخل خيام منصوبة، بعد أن عدلوا زيهم ليقترب من الطابع الشرقي، ومضوا تحدوهم همة متجددة، ولاح أن حلمهم بات في طريقه إلى التحقيق، وتباهي أنفانتان أنه، وبعد فيضان النيل، سيجد تحت إمرته أربعين ألف رجل من العمال، يستطيع فيما بعد أن يوجههم إلى مشروعاته الأخرى، بصرف النظر عن الثمن الذي يتكلفه هذا العمل من أرواحهم.
ويجدر ذكره هنا، أن محمد علي دار في خلده أن يهدم الهرم الأكبر بالجيزة، لينتفع بحجارته الضخمة في بناء تلك القناطر، فطلب من لينان ترتيب هذا الأمر، لكن قنصل فرنسا ميمو Mimaut أرسل خطاباً مطولاً لمحمد علي، يحذره فيه من مغبة هذا العمل الذي ينتمي للهمجية، بما سينال من اسمه الذي عرف في أوربا مرتبطاً بالإنشاء والتعمير، عندما سيرتبط بتدمير أعظم أثر خلفته البشرية على الأرض وهو الأهرام. لكن ما دفع محمد علي إلى التخلي عن هذه الفكرة، لم يكن إلا بسبب وجود بديل آخر، يمكن أن يوفر عشرين مليماً. فقد ذكر لينان للوالي، أن تكلفة نقل المتر الواحد من أحجار الهرم مائة مليم، فيما تكلفة نقلها من محاجر قريبة لموقع السد تبلغ ثمانين مليماً، وهنا فقط تراجع والي مصر عن هدم الهرم الأكبر.
على كل، فخلال الخطوات الأولى لبناء القناطر، يبدو أن لينان شعر بمؤامرة يدبرها أنفانتان لإبعاده عن إدارة المشروع كي يحل مكانه. ومن الممكن أن تكون شكوك لينان في محلها، فلعل أنفانتان لمس القدرة على إنجازه، فرأى أن ينقل إدارته إلى السان سيمونيين ومنهم مهندسون أكفاء، تمهيداً لإقناع محمد علي بمشروعاتهم الأخرى في مصر، وعلى رأسها قناة السويس.
وإزاء هذا الشعور من جانب لينان، ورغبة من أنفانتان في استمرار الوئام بين المشتغلين في الموقع، غادر إلى القاهرة، وأقام لدى الكولونيل سيف، وصحبه في جولة تفتيشية إلى الأقاليم، وأبدى طوال الرحلة كثيراً من المقترحات بشأن الإصلاحات التي رأى وجوب القيام بها، والمنشآت المطلوب إقامتها في هذه المناطق، ثم قفل راجعاً لمزاولة نشاطه مرة أخرى في القناطر(16).
على أن السان سيمونيين ما لبثوا أن أدركوا الفتور الذي بدأ يظهره الرسميون، وعلى رأسهم الوالي وقنصل فرنسا، بعد أن غشت حياتهم التي كانوا يعيشونها بالقناطر بعض الفضائح، وبخاصة أنه كان من بين صباياهم هناك بغي من ليون، كانت سريعة التنقل من خيمة إلى أخرى، والتحول من ذراع إلى ذراع، وهو المسلك الخلقي الذي أصاب أعضاء الجالية الفرنسية بصدمة، فانبروا ينتقدون في ضراوة هؤلاء الصبايا(17).
وزاد الطين بلة، إيقاف محمد علي العمل في الإنشاءات التمهيدية للمشروع، لما لمسه من نقص في الإعداد له، وبسبب سوء الإدارة المالية، وانتشار وباء الطاعون الذي فتك بالكثيرين منهم هناك، وانتهى بناء القناطر في عهد حفيده الخديوي إسماعيل، الذي أطلق عليها القناطر المجيدية الخيرية، نسبة إلى السلطان عبد المجيد.
مساهمـات
على أن أهداف الجماعة السان سيمونية في مصر لم تقتصر على مشروع قناة السويس، فقد حاولوا إقناع الوالي بالعمل على استثمار أراضي فلسطين، بتمويل يهودي عالمي، لصالح تأسيس مشروع يهوذا في هذه الأراضي، لكن هذا المشروع لم يلق بدوره أية استجابة منه، رغم إغراءات قدمت له، نظراً لما ارتآه يمثل مخاطر استراتيجية متعددة الأوجه. ولاحقاً، سوف نلحظ أن هذين المشروعين (حفر القناة، وإقامة مملكة يهوذا) قد تحولا إلى مشروعين أوروبيين رئيسيين، وذلك بعد أن استطاعت الدول الأوروبية تحطيم البنى السياسية والاقتصادية للمجال العثماني، في مركزيه المتمثلين بالقاهرة واسطنبول(18).
وبجانب مشاركة السان سيمونيين الأولى في بدء العمل بالقناطر، شملت جهودهم العديد من الميادين، حيث تقاسموا مهامهم بطريقة تجعلهم «يسيطرون على جميع وسائل الإنتاج في مصر»: فقام لامبير بإقناع الوالي بضرورة إنشاء مدرسة للهندسة، وتم بالفعل إقامتها عام 1834 باسم مدرسة المهندسخانة على غرار مثيلتها في باريس، وتولى تورنو Tourneux أمر السكك الحديدية، وأشرف دوشار Decharmes على بناء الطرق والكبــاري، ولوفيفـــــر Lefevre على التنقيب عن المعادن، ولامي Lamy على شق نفق شبرا، واختص جافاري Javary وجوندرا Gondrat بالصناعات الكيماوية الوليدة، على حين أنشأ دو دومباسي De Dombasie مزرعة نموذجية في شبرا، وحاول أوليفييه Olivier تحسين وسائل الري، وقام روجيه Roger بإنشاء أول نواة للموسيقى العسكرية بمدرسة المدفعية(19).
وشملت إنجازاتهم العديد من المشروعات، منها إنشاء (29) مصنعاً عام 1835 وحده، ومثّل التعليم المجال المفضل لممارسة نشاطهم، فأقاموا العديد من المدارس العسكرية والمدنية، واحتفظوا لأنفسهم بالإشراف عليها، واقترح أنفانتان ولامبير على الوالي تكوين «المجلس الأعلى للتعليم العمومي» و«اللجنة الاستشارية للعلوم والفنون»، وأوكل إلى لامبير وضع المناهج التعليمية، في إطار الإصلاح الذي شمل نظام التعليم، وتضمنت هذه المناهج، بحكم إشرافه عليها، جوانب فنية واقتصادية تتعلق بالمذهب السان سيموني، ونشر اللغة الفرنسية في كافة المدارس المهنية، حتى شاع بين المسؤولين القول بأنه من العبث إرسال بعثات إلى فرنسا، بينما تحتشد مصر بأساتذة من السان سيمونيين يفوقون نظراءهم في فرنسا كفاءة وخبرة.
وهكذا تغلغل السان سيمونيون في كثير من نواحي النشاط في مصر، تحقيقاً للأهداف التي رسموها لأنفسهم، وذلك بالمساهمة في المشروعات المختلفة، حتى تثبت أقدامهم في البلاد، وتتاح لهم فيما بعد فرصة تحقيق حلمهم الأكبر في السويس.
 
العــودة
كان أنفانتان سعيداً بالنجاح الذي حققه أتباعه في مصر، حين تتابعت وفودهم وزاد عددهم، وصار من الصعب عليه أن يدبر لهم جميعاً مصدراً للرزق، مما اضطر كثير منهم إلى الرجوع لفرنسا، أو قبول وظائف متواضعة في الإدارة المصرية. ولم يلبث الطاعون الذي تفشى في يناير 1835، أن راح ضحيته عدد كبير منهم، مما حدا بأنفانتان أن يتوجه إلى الصعيد، فراراً من العدوى. وهناك زار آثار أبيدوس ودندرة، والتقى في الأقصر بالحكام المصريين الذين هربوا من القاهرة خوف الوباء، واستعاد علاقته الطيبة مع قنصل فرنسا، وبدأ في تعلم اللغة العربية كي تساعده على تحقيق الحلم، وعاش وسط «الصعايدة» شهوراً ستة، نال خلالها شعبية كبيرة بينهم حتى دعوه «أبو الدنيا»، وجرى وراء العوالم والفوازي اللائي فرض عليهن محمد علي النزوح من القاهرة إلى أقاصي الصعيد، وكان يمكنه أن يمد إقامته، لولا نضوب موارده، فرجع قافلاً إلى القاهرة، ليجد، برغم المجاملات الظاهرية، فتوراً من السلطة والمجتمع الذي يرتاده.
كان الوالي قد شغلته الحرب ضد تركيا في الشام، وعاد عدد من ألسان سيمونيين إلى بلدهم، والتحق صديقه الكولونيل سيف بجبهة القتال، وزاد من سوء حاله أنه لم يجد من مأوى سوى أن يقاسم الموسيقار فيلسيان ديفيد V. David داره الصغيرة في حي «مصر عتيقة» الشعبي، فضلاً عما حدث بين بعض أتباعه من خروج عن المسيحية إلى الإسلام، حيث تخلى أوربان عن كاثوليكيته واعتنق الإسلام، وأطلق على نفسه «إسماعيل أفندي»، وتلاه جوزيف ماشيرو J. Machereau الذي تسمى باسم «محمد أفندي»، وتزوج من سيدة مسلمة أنجب منها أربع بنات (هانم، زهرة، حميدة، وأسماء)، مما دعا محمد علي إلى السخرية منهم، والشماتة فيمن وفدوا إلى مصر لتحويل المسلمين عن دينهم، فإذا بهم يعتنقون الإسلام»(20).
نتيجة لهذه الظروف، بدأت شجاعة أنفانتان تخونه وآماله تتبدد، وكانت التعلّة أن يلقي على مصر مسؤولية فشله: «فكل شيء يشهد بعدم مقدرتها على تنفيذ مشروع مماثل دون الاستعانة بأوروبا» (21)، وأن يصدر حكماً قاسياً على محمد علي، يتناقض وتقديره الكبير له عند مجيئه.
هكذا أوشكت إقامة «الرسول» السان سيموني على النهاية، فلقد تأجل مشروع قناة السويس، وتم رفض مشروع إقامة مملكة يهوذا، وتعطل العمل بسد القناطر. كذلك وصلته الأخبار بعدم بدء مشروع البحر الأفريقي الداخلي بين تونس والجزائر، رغم مؤازرة الأمير عبد القادر الجزائري له، وبعودة من سافر من أتباعه إلى الشام وفلسطين والحجاز والسودان دون أن يتركوا أثراً يذكر.
لم يعثر «الأب» أنفانتان إذن على ملهمته «الأم» الشرقية، وبدلاً من الانتصارات التي كان يترقبها، لم يجد حوله غير المرض والحداد والبؤس وتشتت الأعوان وعودة أغلبهم إلى الوطن، فركبه الهم واستولى عليه الحزن، خاصة مع تشكك معارفه في نواياه، حتى صار يردد أنهم لا يفهمونه على الإطلاق، لأن آلامهم الذاتية قد أعمتهم عن رؤية أشجان الإنسانية، وبدأ يهذي بأنهم لم يفطنوا إلى أن الرب قد بعثه هادياً لإنقاذ البشرية، على نحو ما فعل من قبل مع موسى والمسيح ومحمد وسائر الأنبياء. وعندما أدرك ألا فائدة ترجى من هذه «السردية»، هذا بالاضافة الى تخلي بعض أصدقائه عنه، ممن انتقدوا حياته المتحررة وسلوكه مع النساء، غادر القاهرة إلى فرنسا في 23 أكتوبر 1836 تاركاً بعض الأتباع. كان منهم دريو Drouot الذي خلبت لبه الآثار المصرية وموالد الأولياء، فكان يشارك «مجاذيب» الحسين طقوسهم، ليترك القاهرة بعد فترة، ويشاهد بين رواد مولد «أبو حردان» بقتا، وقد تولته «الجذبة» الصوفية. أما أوليفييه فاختفى في غبار القرى، ومات في مزرعة بالقرب من الإسكندرية، على حين وضع ديفيد، أثر عودته لفرنسا، «الألحان الشرقية» مستوحاة من مواويل فلاحي النيل، وألف قصيدة السيمفوني «الصحراء» كصدى لذكريات عزيزة عليه(22).
وحين عاد أنفانتان إلى فرنسا، لم يقابل بذلك الحماس الذي كان يحلم به عندما غادرها في طريقه إلى مصر، حيث كان يأمل أن يكون جزاءه على الأعمال التي انتوى تحقيقها في مصر.
 
أنفانتان في الجزائـر
 
ومع استعمار فرنسا للجزائر عام 1830، انتقل أنفانتان وعدد من أتباعه إليها، وتجدد حلمه في بحثه عن «شرق جديد»، فاندفع يكتب عن الجزائر كمادة للدمج والاستغلال، وفضاء للافتتان، وموضوع للاستيهام والتصوف، في كلمات تتناهبها روائح الصحراء والشمس والفحولة والنكهة الأفريقية، وتحول هناك مع اتباعه إلى دعاة للاستعمار الاستيطاني، وذلك بذريعة أن ما يضفي الشرعية على وجود شعب في أرض معينة، يتمثل في قدرته على استثمارها، لا في قدم حيازته لها(23).
كانت الجزائر، مثل مصر، تشكل إحدى ولايات الإمبراطورية العثمانية، ويحكمها داي يقيم في مدينة الجزائر، ويتبع السلطان بنفس الطريقة التي كان عليها محمد علي، وان بدت روابط التبعية أضعف، نظراً لبعد المسافة بين الجزائر واسطنبول. وقد أعد القنصل الفرنسي في مصر خطة لغزو الجزائر، عرضها أولاً على محمد علي، ثم على الحكومة الفرنسية، وتتلخص في القيام بغزو سريع لها يتولاه الجيش المصري تحت قيادة إبراهيم باشا، وتوقعت الخطة غزو طرابلس الغرب وتونس في الطريق إلى الجزائر، وهما خاضعتان أيضاً للحكومة العثمانية، ما يعني أن تستولي مصر على ثلاث دول، لكن السلطان العثماني عارض الخطة بإيعاز من بريطانيا، فاقترحت فرنسا على محمد علي أن يشاركها في الغزو، فرفض معتبراً أن العملية لابد أن تكون، حال إتمامها، في إطار طابع إسلامي.
على أنه يجوز القول أن توسيع أسواق التصدير واستيراد المواد الأولية والسلع الغذائية، لعب دور الظرف التاريخي الذي تمت ضمنه صياغة دور الجزائر في حل وتخفيف أزمة الرأسمالية الأوروبية. وقد بنى هذا الدور على أساس استعمار الفطر الجزائري، ثم تنميته بعد ذلك في اتساق مع احتياجات المتروبول، بواسطة تحويله إلى مزرعة كبيرة لإنتاج المواد الأولية (الكروم، الحبوب، المعادن…).
وهكذا بدأت مع الغزو الفرنسي حرب الإبادة، ومصادرة الأراضي، وهو ما كان أدعى إلى مقاومة الفلاحين الجزائريين، ونضال الأمير عبد القادر الذي استمر قرابة الستة عشر عاماً ما بين 1832-1847.
وسواء كان هذا الغزو في طور الإعداد والتخطيط، أم في مرحلة جمع المعلومات والأعوان، أم في حال التنفيذ الفعلي، فقد شارك فيه خليط من السان سيمونيين والضباط والدبلوماسيين ورجال المخابرات. وتسبب تعدد الأدوار فيما بينهم، في تكثيف جو من الغموض، يصعب معه التمييز بين المستشرق الباحث، والموظف الذي يضع خبرته في خدمة الجيش الغازي، وبين الدبلوماسي ورجل المخابرات والجاسوس الذي يريد اختراق المجتمع المرصود.
ومما يدل على علاقة السان سيمونيين بالغزو الاستعماري للجزائر، أن أنفانتان ذهب إلى هناك عام 1840، وحصل على امتياز خاص لكي يتابع عمليات الإبادة العسكرية عن قرب، وعرض عليه الجنرال جالبوا أن يرافق إحدى الفرق، فما كان منه إلا أن استجاب، وقطع تسعين كيلو متراً في اثني عشر يوم برفقتها، وحضر إحدى المعارك من فوق هضبة، وشاهد، بعد إحراز (النصر)، أعمال السلب والنهب(23).
ويبدو أن استعمار فرنسا للجزائر قد أحيا لديه فكرة إقامة نظام سان سيموني بها، فأوعز إلى زميله «إسماعيل» أوربان باقتراح إنشاء منطقة صحراوية تشرف عليها فرنسا، وهي الفكرة التي تم إحياؤها تالياً في ثلاثينيات القرن العشرين، مع بدء اكتشاف استثمارات معدنية في الصحراء الجزائرية.
وقد قادته رؤاه الصوفية، وغموض وتناقض أفكاره أحياناً إلى إعلانه عن كراهته للحرب الدائرة في الجزائر، لكن ذلك لم يكن يحدث إلا عرضاً وبعد فوات الأوان، بدليل أن الحرب كانت مستعرة منذ عام 1830 حتى عام 1847، وتكلف الخزينة الفرنسية مائة مليون فرنك ذهباً سنويا، وقلما كان يندد بها، بل كانت جريدته (العالم) تفسح مجالاً واسعاً للبلاغات المتعلقة بانتصار القوات الفرنسية.
 
خيبـة أمـل
 
اثر عودته لفرنسا، مارس أنفانتان مهناً مختلفة، وان ظلت تخايله فكرة شق قناة السويس، فشارك عام 1846 في إنشاء (جمعية دراسات قناة السويس) La Société d›études pour le canal de suez من كبار العلماء ورجال المال والساسة، ممن ينتمون إلى دول أوروبية مختلفة لإعطائها بعداً دولياً، بهدف القيام ببحوث تكميلية واتصالات سياسية تمهد لتنفيذ المشروع، وخاطب أصحاب البنوك في أوروبا للمساهمة برؤوس أموالهم في حفر هذه القناة.
وقد بعثت الجمعية بوفد كبير حضر إلى مصر عام 1847، تحقيقاً لما سمي أيامها «تنفيذ أعظم أفكار العصر»، كان الوفد مقسماً إلى ثلاث مجموعات انجليزية ونمساوية وفرنسية، وزعوا العمل بينهم بحيث تختص المجموعة الإنجليزية بدراسة ميناء السويس، ومعرفة مدى صلاحيته لاستقبال السفن المتجهة إليه، وتتفرغ المجموعة النمساوية لدراسة ساحل البحر المتوسط واختيار البقعة المناسبة لكي تكون مدخلاً للقناة. أما المجموعة الفرنسية، والتي عهدت الحكومة المصرية إلى لينان (بك) بمرافقتها، فقامت بدراسات في منطقة البرزخ. وبعد ثلاث سنوات قضته اللجنة في مصر، اعتذر محمد علي عن عدم التنفيذ، بحجة عدم توفر الموارد المالية اللازمة لهذا المشروع. وعندما عرضت الجماعة السان سيمونية عليه امداده بقروض للتمويل، رفض تماماً وهدد بمقاومته بالقوة إذا دعت الحال، وطالب بضمان أوروبا لوحدة مصر أولا، وأن يتولى بنفسه تنفيذ المشروع. وأن يكون لمصر وحدها حق حماية القناة بقواتها، وحق تقاضي رسوم المرور(24).
وبعد وفاة محمد علي، استمرت الجماعة السان سيمونية في الاهتمام بالمشروع، واقترح أنفانتان اشراك دول أوروبية أخرى فيه مع فرنسا، لكنه شعر بعدم جديتها، وعدم استعدادها للتمويل، وهجر الرفاق له.
وحين تولى سعيد باشا حكم مصر عام 1854، بادر صديقه الدوبلوماسي الفرنسي فردينان دوليسبس بالاتصال بالجمعية، وأبلغهم أن في مستطاعه استغلال هذه الصداقة في استصدار فرمان لحفر القناة، وأبدى استعداده للتعاون معهم، وتطوعه للسفر كي يحصل على عقد الامتياز، وأنه، وبهذا المقتضى، سيعمل باسم الجمعية ولحسابها، وأمكنه بهذه الكيفية أن يستحوذ على كافة مستندات وبحوث الجمعية وسافر بها إلى مصر، وما كاد يظفر بعقد الامتياز في 30 نوفمبر 1854، حتى انفصل عن الجمعية واستأثر بالمشروع دونها، وأبعد السان سيمونيين عن اللجنة التي درست المشروع، ومن الشركة الجديدة التي كونها لهذا الغرض، مما دعاهم إلى اعتباره السان سيموني العاصي.
لم يجد أنفانتان سوى أن يرفع التماساً إلى الامبراطور نابليون الثالث في 14 أكتوبر 1855، ذكر له فيه أن دوليسبس عمل على تأخير المشروع عشر سنوات، لكن الالتماس لم يجد صدى، إذ لم يعد الوقت مناسباً لكي تلقى الأوهام السان سيمونية تأثيراً لها في باريس، وبدئ العمل في حفر القناة صبيحة 25 أبريل 1859، باستخدام آلاف الفلاحين المصريين عن طريق السخرة، وفقد خلال عمليات الحفر قرابة (120) ألفاً منهم، ودشنها سعيد باشا في القاهرة بحفل راقص دعى له ستة آلاف شخص، وآثر دوليسبس ألا يحضره أحد من السان سيمونيين. وخلال العمل في حفر القناة، استولت الشركة على أراضٍ واسعة من ضفافها، تمهيداً لإنشاء مستعمرة فرنسية تحت حكم الأمير عبد القادر الجزائري(25).
ومع قرب موعد افتتاح القناة، ازدادت الأطماع الأوروبية، لدرجة أن امبراطورية الهابسبرج التي تحوطها اليابسة من كل جانب، دشنت اثنتين من سفنها، وأطلقت عليهما «بومباي» و«كلكتا»، انتظاراً لتشغيلهما مع الافتتاح الذي أقيم في 17 نوفمبر 1869 باحتفال مهيب، أعد له الخديوي إسماعيل، وكلف مصر قرابة مليون ونصف من الجنيهات.
وفي هذا الاحتفال الذي شاركت فيه الإمبراطورة الفرنسية أوجيني، ألقى شاعر فرنسي أمام الحضور، قصيدة خالية من أية مواربة، تمجد هذا الإنجاز، وتوعزه إلى أوروبا، جاء فيها:
«نعم، انه من أجل العالم
من أجل آسيا وأووربا
من أجل هذه الأصقاع النائية
التي يغلفها الليل
من أجل الصيني الماكر، والهندي النصف عريان
ابتنت أوروبا قناة السويس
ولكنها بنتها، أولا، وقبل كل شيء، لنفسها هي..» (26).
ولم يحضر أنفانتان هذا الاحتفال، لأن دوليسبس رفض توجيه الدعوة له. ورغم ذلك، نجد أنفانتان يشكره، ويبارك العمل «المجيد» الذي قام به، لكنه يعبر عن خيبة أمله في رسالة بعث بها إلى مكسيم دي كامب M. Du Camp، يقول له فيها: «لقد كنت آمل أن تكون قناة السويس عملاً من أعمال السان سيمونيين الذي يحمل اسمنا، وقدرت أن جميع رفاقي الذين مازالوا على قيد الحياة سوف ينالون ما يعوضهم عن التضحيات التي لم يتوانوا عن تقديمها لهذا المشروع، غير أن ما يؤلمني هو أن أقبع مكاني وأتحول إلى متفرج»(27).
أما دوليسبس، فقد حاول بعد ذلك العمل على تنفيذ مشروع قناة بنما، لكن الشركة التي أسسها لهذا الغرض أفلست، وحوكم مع ابنه شارل وهو في حالة من الإرهاق النفسي أفقدته مداركه، وأدين بتهمتي خيانة الأمانة والنصب، ليحكم عليه بالسجن خمس سنوات وغرامة (3000) فرنك.
وفي عام 1884، عُين عضواً بالأكاديمية الفرنسية، وهي المؤسسة العلمية التي يدخلها عادة أصحاب القلم والفكر ليبقوا فيها مدى الحياة. وحسب العادة، ضمن الشاعر فكتور هوجو الوافد الجديد، وقام ارنست رينان E. Renan بتعميده في خطاب أبرز «المآثر» التي دفعت إلى إدخاله تحت «قبة الخالدين»، وقدر في نهايته، نبوءته عن قناة السويس، حين ذكر: «أن بوسفورا واحدا كان يكفي لتعكير صفو العالم، لكن هذا البوسفور الآخر (قناة السويس) أهم، لأنه لا يصل فقط بين طرفي بحرين داخليين، بل هو الممر إلى كل بحار الكرة الأرضية. وفي زمن الحرب، سيكون الهدف الأكبر والنقطة التي سيتم التصارع على احتلالها. إذن، لقد وضعت الإشارة على موقع معارك المستقبل(28).
 
جـرْدة نقديـة
 
وهكذا فإنه، وخلا مصر، لم يترك السان سيمونيون أثراً يذكر في البلدان الأخرى التي ذهبوا إليها في الشرق، نظراً لقصر المدة التي قضوها فيها، ولأنها كانت تعيش ظروف السيطرة المباشرة لعالم العثمانلي آنذاك في مناطق الشرق العربي، والغزوة الاستعمارية الفرنسية في المغرب العربي.
وقبل أن يمضي وقت طويل، تحللت الجماعة السان سيمونية إلى طائفة صوفية تنادي برعاية حقوق النساء والمعدمين والمسجونين والمجانين. وربما كان أحد أسباب تحولها الصوفي، ما وجده أتباعها من ذيوع الوضعية Positivisme التي بلورها أوجست كونت، ورغبتهم في محاربة الفكرة القائلة بأن الدين قد انقضى زمنه.
ثم أن الصناعية التي نادت بها لم تؤد إلى قيام حضارة أصيلة، بل على الأصح، أخضعت العالم الطبيعي لسلطانها، والفضاء الكوكبي لتنافس أبطالها، والتقدم التقني لرواج أسلحتها التدميرية، وجنحت أخلاقياتها، في عنفوان سطوتها الإمبريالية، إلى السيطرة التي تناقض نظرتها إلى الإنسان، وهدفها في سعادته. كذلك بدأت المفارقة، حين خرجت الأفكار السان سيمونية من إطارها الداخلي بفرنسا، لتطل على مسرح السياسات الخارجية لمشروعات التوسع الاستعماري الفرنسي في الخارج، حيث تحولت مقولاتها إلى لغة أيديولوجية تطورية، تتخذا من النموذج الصناعي الناشئ، معياراً مرجعياً للمجتمعات الأخرى المختلفة عنه، وبذلك انفصلت لغتها عن سياقها التاريخي، لتتحول إلى أداة أيديولوجية تبريرية تقرظ هذا النموذج، وتدعو للتكنوقراطية، وترسم للآخرين صورة وهمية عن النظام الصناعي الرأسمالي، لا علاقة لها بالسياق العربي الذي أحاط بنشأته، وبذلك غدت مذهباً أيديولوجيا ضارباً بيد هذا النظام في مواجهة المجتمعات الأخرى، على اختلاف مواقعها من مشروعاته التوسعية، وهي مشروعات آيلة إلى استتباع هذه المجمعات وإخضاعها.
يؤكد هذا، أن العلاقة بين الشرق وأوروبا، من وجهة نظر السان سيمونيين، لم تكن علاقة ندية، بل تنطوي على حالة انقطاع عقلي مع الدائرة الفكرية التي تنتمي إليها، وانخراط في دائرة جديدة تختلف نوعياً عن الدائرة الأولى ذات السمة «الخرافية» من جهة، و«الطفولية» من جهة أخرى.
فالجماعة السان سيمونية التي ذهبت إلى الشرق، كان ينظر إليها من قبل المثقف الفرنسي على أنها عملية اختراق أوروبي للعقل الشرقي المتخلف والخرافي. وعند هذا الحد، تنتهي مهمة المثقف الغربي، لتبدأ مهمة السياسي الغربي، الذي يعين وظيفة هذا التوجه ضمن مشروعه السياسي العام، والهادف إلى فتح كوى وثغرات في بنية المجتمع العثماني، تمكنه من توفير أحد شروط معركته السياسية الشاملة في مواجهة هذا المجتمع وتفكيكه، بغرض فرض شروط سيطرته العامة عليه لاحقاً.
ضمن هذه المعادلة العامة، تكمن المفارقة التاريخية لتجربة السان سيمونيين في الشرق، والتي لم تكن تمتلك بذاتها أية استقلالية لجهة الوظيفة أو الدور الذي تنهض به، خارج حدود خطوط الصراع الآخذة في التشكل بين دورة الاجتماع العثماني، ونموذجها التحديثي عند محمد علي، وبين مشروعات الدول الأوروبية المتحفزة للهجوم على معاقل هذا الاجتماع.
وإذا كانت هذه هي نظرة مثقف «الشاطئ الآخر» فماذا عن نظرة المثقف العربي؟ الواقع أن تقليب أوراق المحاولات العربية التي تصدت لدراسة التجربة السان سيمونية، يضع اليد على قراءات لها متباينة: فالشيخ محمد عبده يراها تجربة مهمة، تضم «البيوتات المصرية والخبرة الفرنسية». أما طلعت عيسى، فيذكر أنه رغم نجاح السان سيمونيين في تصنيع المجتمع المصري، فإنهم لم يوفقوا في تحقيق مبدأ أساسي في مذهبهم، وهو عدم استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وتعاون الجميع في سبيل استثمار مظاهر الطبيعة(29). ويؤكد صالح منسي على أن كتابات السان سيمونيين أنفسهم تدحض ما ذهب إليه البعض من أن مشروع رحلتهم إلى مصر، قد صدر عن رغبات نبيلة وأفكار وآراء سامية(30). ويذهب أنور عبد الملك إلى أن الإنجاز الذي قدمته تجربة محمد علي تتجاوز ضخامته، بفارق كبير، الإسهام الهام والمحدود لرفاق أنفانتان، في دفع عجلة مشروعات هذه التجربة(31).
أما رشدي فكار، فبرغم اعترافه بالجهد الكبير الذي قدمه السان سيمونيون في مصر، إلا أنه، وانطلاقاً من رؤيته الأصولية،يأخذ عليهم رفضهم جعل الإسلام محوراً لأيديولوجيتهم(32).
ويركز علي الدين هلال على التأثير الأيديولوجي لهم، إذ يرى أنه: بالرغم من أن تجربتهم الاشتراكية تبدو وكأنها قد فشلت أساسا، فإنه يوجد من الأسباب ما يدفع إلى الاعتقاد بأنهم كانوا رواداً في غرس بذور الاشتراكية(33)، وهو ما يخالفه رفيق سكري، مذكراً: «أن التأكيد أو الجزم بأن السان سيمونيين كانوا وراء نشر الأفكار الاشتراكية مباشرة، فيه نوع من المبالغة وبعد عن الحقيقة.. والذي يمكن تأكيده أن وجودهم على أرض مصر شكل أحد المعطيات الأساسية لوجود مناخ فكري إيجابي»(34).
ومع ذلك ورغمه، يظل السؤال ماثلاً: هل أن ما قدمته السان سيمونية رسالة تحديثية، أم تراه استعمارا مقنعا اتخذ شكل «تدخل المدنية في الشعوب البربرية»، كما كانت تتحدث صحيفتهم؟.
 
المراجـــع:
1- Saink – Simon, H.de: Selected writings, F.M. Markham (ed.) Oxford, Blackwm, 1953, p. 101. 
2- Ibid, p. 157.
3- Ibid, p. 187.
4- Zeitlin, J.: rethinking sociology-A critique of contemporary theory, New Jersey, Prentice-Hall Inc, 1973, p. 62.
5- Ibid, p. 83.
6- Chariety, S.: Histoire du saint-Simonienne, Paris, Gontier, 1993, p. 109.
7- أريك هوبز باوم: عصر الثورة-أوروبا (1789-1848)، ترجمة فايز الصياغ، بيروت، المنظمة العربية للترجمة 2007، ص 450.
8- Chariety, S.Op. cit., p. 112.
9- إدوارد سعيد: الاستشراق-المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عناني، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع، 2006، ص 248.
10- Chariety, S.Op. cit., p. 121.
11- Carré, J.M.: Voyageurs et ecrivains français en Egypte, Le Caire, IFAO, 2003, p. 258.
12- Ibid, P. 328.
13-  Bret, P. L›Egypte au temps de l›expédition de Bonaparte, Paris, Hachette, 1998, pp. 18-19.
14- خالد فهمي: كل رجال الباشا، ترجمة شريف يونس، القاهرة، دار الشروق، 2001، ص ص 2-8.
15- Chariety, S.Op. cit., p. 137.
16- محمود صالح منسي: مشروع قناة السويس بين أتباع سان سيمون وفردينان دي لسبس، القاهرة، دار الاتحاد العربي للطباعة، 1971، ص 62.
17- ثروت عكاشة: مصر في عيون الغرباء من الرحالة والفنانين والأدباء (الجزء الأول)، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984، ص 287.
18- حسن الضيقة: دولة محمد علي والغرب – الاستحواذ والاستقلال، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2002، ص 236.
19- أنور عبد الملك: نهضة مصر، ترجمة حمادة إبراهيم، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة 2001، ص 207.
20- ثروت عكاشة: منرجع سابق، ص 187.
21- Chariety, S. , op. cit., p. 156.
22- Carré, J. M., op. cit., 2712.
23- هنري لورنس: المملكة المستحيلة –فرنسا وتكوين العالم العربي الحديث، ترجمة بشير السباعي، القاهرة، سينا للنشر، 1997م، ص 101.
24- Ernest, M.: Les Saint-Simoniens en Algèrie, Paris, 1991, p. 99.
25- محمد صبري: أدب وتاريخ واجتماع، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2009، ص 490.
26- المرجع نفسه، ص 491.
27- Liauzu, C.: Race et civilization, Paris, Syros, 1992, pp. 254-255.
28- Chariety, S., Op. cit., p. 164.
29- Ibid, p. 172.
30- محمد طلعت عيسى: أتباع سان سيمون – فلسفتهم الاجتماعية وتطبيقاتها في مصر، القاهرة، مطبعة جامعة القاهرة، 1963، ص 138.
31- محمود صالح منسي، مرجع سابق، ص 174.
32- أنور عبد الملك، مرجع سابق، ص ص 209-211.
33- Fakkar, R.: Sociologie, Socialisme et internationalisme-l›infeluence de saint-simon, Delachroix et Nestlé 1968, p. 217.
34- علي الدين هلال: التجديد في الفكر السياسي المصري الحديث، القاهرة، معهد البحوث والدراسات العربية، 1975، ص 55.
35- رفيق سكري: «السان سيمونيون كرواد لعصر النهضة في مصر» في مجلة (الفكر العربي)، العدد (39-40) أكتوبر 1985، بيروت، معهد الإنماء العرب، ص 155.

محمد حافظ دياب
كاتب وأكاديمي من مصر


مصدر المقال مجلة نزوى
جميع حقوق هذا المقال محفوظة لمجلة نزوى

Check Also

ورش إبداعية تحت القصف

وجدي الأهدل * يولد الإنسان موهوباً بالفطرة، ولكن هذه الموهبة في حاجة إلى الصقل كالسيف …

في ثقافة القات في اليمن

عبدالله علي الزلب * إن النهج الأكثر ملاءَمة لفهم ظاهرة إقبال اليمنيين على استهلاك نبات …

المجلات الثقافية اليمنية ودورها المعرفـي

بلال قايد عمر * يقول بسام جوهر ” أن تعرف أمة هو أن تقرأ أدبها.فالنتاج …

جون آشْبيري: «بورتريه شخصي فـي مرآة محدبة»

ترجمة وتقديم زاهر السالمي * مقدمة: القصيدة الأشهر لجون آشْبيري «بورتريه شخصي في مرآة محدبة»، …

قصائد جديدة

صلاح فائق * اغضبُ حين أتذكر. أنا رجلٌ غير نافع، لم أتعلم من الطبيعة درساً …

كأن النهر يجري، والينابيع تنادي

أنس مصطفى * (1) ها أنتِ في رَمادِ المصَابِيحِ تغسلينَ بياضَ الشَّواهدِ في اللَّيلْ، تَزجُرينَ …

هذيان نابليــــون

زاهر الغافري * في المشفى الذي أدخلَني الحوذيون فيه فقدتُ كلماتي وكنتُ كلما أحاول أن …

مجرفة عمياء

دلدار فلمز * – 1 – يغنون للحب، يغنون للحرب وأن كل شيء يقع على …

مساء السبت مسائي

آمال موسى * بيني ومساء السبت غرامٌ لا يعلمه غيري غرامٌ غامض ينتابني في كل …

مقهى الجحيم

جورج ضرغام * جدران مطلية بمخيلة غراب. بيوت عرجاء تخبئ خلخالها في جيب عاصفة متسولة. …

×